Featuredانفوجرافيك

هل تبتلع روسيا 28 تريليون متر مكعب من الغاز السوري بـ40 مليار دولار؟

جوليا العبد (دمشق)

منذ عام 1933 عندما تم اكتشاف وجود النفط كثروة باطنية في شرقي سوريا، وعثرات استكشاف النفط السوري وإنتاجه وتصديره تتزايد يوماً بعد يوم، على الرغم من أن التطلعات الاقتصادية للنفط وإلى جانبه الغاز الطبيعي الموجودين في باطن الأرض السورية، كانت على الدوام ترسم ملامح مستقبل مزدهر للاقتصاد السوري، بحسب المهتمين بشؤون الطاقة الدوليين والمحليين.

ولم يكن موضوع الاكتشافات النفطية الجديدة هو من يؤسس للتطلعات الاقتصادية الوردية فحسب، بل إن موقع سوريا الجغرافي كان يؤهلها على الدوام لتكون ممراً دولياً حيوياً لنقل النفط والغاز بين القارات (أفريقيا آسيا أوروبا).

وطوال فترة استلام حافظ الأسد للسلطة في سوريا، لم يكن هناك أرقام ومعلومات معلنة دولية أو محلية حول الشأن الطاقي في سوريا، ويشكك العديد من المستشارين الاقتصاديين أن واردات النفط ومن ثم الغاز وعقودهما، لم تدرج بشكل رسمي في خزينة الدولة السورية أو ميزانيتها، إذ إنه ومع تسلم حزب البعث للسلطة في سوريا عام 1963 هيمنت وزارة النفط والثروة المعدنية على الأحقية المطلقة في التنقيب والاستثمار والتسويق.

صورة تعبيرية لأحد آبار النفط في سوريا (إنترنت)

ووردت العديد من التوقعات قبل اندلاع الثورة في سوريا بسنوات عديدة عن وجود احتياطي نفطي كبير في عدة مناطق سورية غير مكتشفة أهمها المياه الدولية السورية في البحر المتوسط، وتوقعات أخرى حول حقول الغاز الطبيعي في شمالي العاصمة دمشق.

في عام 2008 قدر تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن واقع الاحتياطي من الغاز يبلغ 7.5 مليار متر مكعب، والاحتياطي القابل للإنتاج 405 مليار متر مكعب، أما الاحتياطي الجيولوجي للنفط الخام فهو 24.7 مليون برميل، حيث أكد التقرير أن النفط والغاز الطبيعي يشكلان المصدرين الأساسيين للطاقة في سوريا، وأفادت تقارير دولية عن وصول إنتاج الغاز الطبيعي إلى 24 مليون متر مكعب يومياً، رغم التسربات الغازية والنفطية التي تحدثها تباطؤ عمليات الصيانة في البنى التحتية للحقول والمصافي، التي يعزوها محلل وباحث اقتصادي سوري رفض ذكر اسمه لـ “ملفات سوريا” إلى عمليات الفساد والغش التي كانت تبرم برعاية مسؤولين عن قطاع الطاقة.

وقد صرح وزير النفط والثورة المعدنية السابق سفيان العلاو عام 2010 عن خطة استراتيجية للطاقة تهدف إلى تطوير صناعة النفط والغاز، وقد ذكر حينها أرقاماً رسمية حول الاحتياطي الموجود من الغاز والنفط الذي قدر بـ 44 مليار برميل، 34 مليار منها للنفط الخام، و10 مليارات للغاز، وكان الإنتاج اليومي للنفط الخام يقدر بـ 380 ألف برميل يومياً.

في الوقت ذاته صنفت سوريا إلى جانب البحرين كأضغف دولة بين عشرة دول عربية لجهة إنتاج سوائل الغاز الطبيعي، وتحتل المرتبة 42 عالمياً، بينما ذكر تقرير لمركز فيريل للدراسات في برلين توقعاته بأن تحتل سوريا المركز الثالث عالمياً في إنتاج الغاز، فيما لو تمكنت من رفع قدرتها الإنتاجية إلى حدها الأقصى، وقد قدرت الهيئة الجيولوجية الأمريكية احتياطات سوريا من الغاز خاصة بعد إضافة العديد من الاكتشافات الجديدة بمقدار 28 تريليون متر مكعب.

ومع تصريحات رسمية بانتهاء العمل على خط الغاز العربي الذي يربط مصر والأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا ومنها لأوروبا، بدأ الحراك الشعبي في سوريا، ومن ثم مع عسكرة الثورة وانقسام الفصائل المتنازعة، بدأت بعض القوى الدولية بقبض ثمن دعمها العسكري والدولي عن طريق حيازة استثمارات في قطاع الطاقة السوري.

صورة تعبيرية لأحد آبار النفط في سوريا (إنترنت)

وبدأت الاتفاقيات بين الجانب الروسي والحكومة السورية عام 2017، عندما تعاقدت الحكومة مع شركة حماية روسية لحماية المنشآت النفطية والغازية من داعش مقابل الحصول على 25% من الأرباح، ومن ثم استحوذت روسيا عبر عدد من الشركات (ميركوري- فيلادا- اس تي جي وغيرها) على الحقول النفطية والغازية في ريف دمشق الشمالي في موقعي قارة وبريج، وحقول تدمر الأربعة شرقي حمص، والحقول الموجودة والمكتشفة مقابل الساحل السوري، وذلك عبر عقود أبرمتها مع الحكومة السورية تخولها امتلاك حقوق حصرية لإنتاج واكتشاف الغاز والنفط، وتنص الاتفاقيات على إعادة تأهيل آبار النفط والبنية التحتية لها، وتقديم الاستشارات في مجال الطاقة وتدريب الكوادر الفنية، وبلغت قيمة هذه الاتفاقيات 40 مليار دولار.

وقد كشفت مصادر إعلامية حكومية في الشهر الفائت عن تحريك دعوى قضائية بحق المدير العام الأسبق لشركة السورية للغاز ومدير عام شركة المحروقات السابق ومتعهدين في شركة خاصة متعاقدة مع الشركة السورية للغاز، وذلك بسبب بيانات غير صحيحة وإبرام اتفاقيات غير قانونية لصالح الشركة الخاصة في مواقع حقول الغاز في شمال دمشق، وتقديم ميزانية دون إرفاق وثائق صحيحة، واعتبر كشف الفساد في وزارة النفط سلوكاً غير مسبوق من قبل الحكومة السورية وجاء تحت ضغط روسي لإضراره بمصلحة الشركات الروسية في هذه الحقول كما أخبر “ملفات سوريا” مصدر من داخل الوزارة.

في المقابل فإن قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بمساعدة أمريكية تسيطر على حقول الحسكة للغاز والنفط وجزء كبير من حقول دير الزور، بعد انتزاعها من يد داعش عامي 2017-2018، الذي لا يزال يعمل على الاستفادة من نقل النفط عبر المناطق التي يسيطر عليها، ويعمل على إنشاء مصفاة تكرير في هذه المناطق، وبرغم أن القيادة الأميركية لا تحبذ علاقة “قسد” النفطية مع الحكومة السورية، والتي فرضت وأصدرت عقوبات عديدة بحق كل من يؤمن النفط أو يتعامل في هذا الأمر مع الحكومة السورية أفراداً أو كيانات، إلا أن “قسد” تبيع الحكومة السورية النفط الخام؛ لأنها تملك مصاف للتكرير في حمص وبانياس، وتنص الصفقة بحسب تقارير إعلامية أن كل 100 برميل نفط خام للحكومة السورية من “قسد” تحصل مقابلهم على 75 برميل مازوت، إلى جانب الحصول على الكثير من الخدمات، وبرز دور حسام القاطرجي (الموجود على لائحة العقوبات الأمريكية) وصاحب شركة “أرفادا للبترول” وعضو مجلس الشعب السوري في تأمينه الطريق لهذه الصفقة، بضمانة وجهاء العشائر وأعضاء بارزين من تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

عربة أمريكية بجانب إحدى آبار النفط شرق سوريا (إنترنت)

وفي السياق نفسه كشف تقرير لقناة “CNN” الأمريكية منذ أشهر صفقة سرية خولت شركة أمريكية مغمورة بتطوير وتحديث حقول نفط في شمال شرقي سوريا، وتلقت شركة “Delta Crescent Energy” ترخيصاً من وزارة الخزانة الأمريكية يعفيها من نظام العقوبات، وتضمن هذه الشركة لقسد أرباحاً بمليارات الدولارات بحسب القناة.

أما الجانب الإيراني وقواته العسكرية الموجودة في سوريا، فيبرز دورها عبر سيطرتها على معبر القائم الحدودي بين سوريا والعراق، إذ يشرف على القوافل التي تحمل النفط والغاز العراقي عبر البوكمال ومنها إلى موانئ التصدير بانياس طرطوس واللاذقية، خاصةً بعد التوقيع على مشروع تصدير الغاز العراقي بين الجانبين السوري والعراقي عام 2017، والجدير بالذكر أن ناقلات النفط الإيرانية تعتبر المورد الوحيد في السنوات الأخيرة للحكومة السورية، التي تعاني بشكل دوري من أزمات خانقة في تأمين الوقود والغاز، مما يؤثر سلباً على المواطن السوري.

ويتحدث باحث سوري مختص في قطاع الطاقة لـ “ملفات سوريا” عن أن النفط والغاز السوريين ليسا مقصد الدول المتنازعة على السيطرة على سوريا (إيران-روسيا- أمريكا)، فهذه الدول منتجة للغاز وللنفط وتمتلك احتياطيا كبيرا من كلا المادتين، والنفط السوري نفط ثقيل وترتفع فيه نسبة الكبريت مما يجعله أدنى أنواع النفط العالمي من حيث السعر، إلى جانب وجود العقوبات الأمريكية واستمرار المعارك والضربات المتبادلة التي تعيق إنتاج النفط، فالسيطرة على الحقول ليست بأهمية السيطرة على طرق لتمديد أنابيب النقل، خاصةً أن 80% من كلفة البرميل تتمثل بتكلفة نقله، ولذلك فإن سوريا كمعبر بين الشرق الأوسط وأوروبا هو الأهم، وهذا يبرر الصلاحيات المطلقة التي تمنحها الحكومة للشركات الروسية، وفي المقابل الصلاحيات للشركة الأمريكية في المواقع الأخرى.

صورة تعبيرية لأحد آبار النفط في سوريا (إنترنت)

وكانت ورقة عمل ورقة عمل صدرت عن صندوق النقد الدولي عام 2016 قدرت تراجع الإنتاج النفطي في سوريا إلى حوالي 80 ألف برميل يومياً فقط بعد أن تخطى 380 ألف برميل قبل عام 2011، وأصدر موقع “أويل برايسز” البريطاني والمختص في شؤون الطاقة تقريراً تحدث عن بلوغ احتياطي النفط السوري يقدر ب 2.5 مليار برميل، وما لا يقل عن 75% من هذه الاحتياطات موجودة في حقول محافظة دير الزور، بينما يقدر إنتاج الغاز الطبيعي بحسب أبحاث اقتصادية في حقول الحسكة رميلان والجبسة ثلاثة ملايين و600 ألف متر مكعب يومياً، بينما حقول تدمر السبعة تنتج ما يزيد عن 7 ملايين متر مكعب يومياً، وحوالي المليون ونصف متر مكعب في حقول ريف دمشق.

تبقى الأرقام التي تخص قطاع الإنتاج في مجال الطاقة في سوريا أرقاماً تخمينية، وبحاجة إلى تحديث وتدقيق بشكل دائم، وذلك بسبب صعوبة تواجد إحصائيات ميدانية في ظل الصراع العسكري الحاصل على الأرض، لكن وهذا ما يؤكده العديد من المختصين في هذا الشأن أن الاستثمار الجغرافي والجيولوجي للثروات الباطنية في سوريا هو استثمار ناجح لكل الأطراف المحلية والدولية في حال توافرت بنية تحتية وآليات حديثة وتوافق دولي مع وجود قوانين شفافة تحمي هذا القطاع من الغش والاستغلال، حيث إن تم استثماره بشكله الأمثل، فهذا سينعكس على المواطن السوري أولاً، وعلى العديد من الأطراف الدولية والإقليمية بشكل إيجابي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى